Language / اللغة:
  • ar
  • de
  • en
  • الحجاب ليس فريضة إسلامية؛ القصة المحرمة للحجاب

    تحليل الخبر سبتمبر 29, 2026

    الحجاب ليس فريضة إسلامية؛ القصة المحرمة للحجاب

    الحجاب ليس فريضة إسلامية؛ القصة المحرمة للحجاب

     

    أبوبكر الرمح

     

    وهم “الفريضة السادسة”:

    نتساءل: كيف حولت المرجعية الفقهية الذكورية للدين الموازي الحجاب من تشريع طبقي إلى فريضة سادسة؟ وجعلت منه شعاراً سياسياً؟ ولماذا لم تعد السافرة في فقههم مجرد آثمة، بل تهديداً وجودياً؟

    لطالما تم تقديم “الحجاب” للأجيال المتعاقبة على أنه ركن الدين المتين، ومقياس العفة المطلق، حتى بات كشف المرأة لشعرها في المخيال الشعبي المعاصر ذنباً يكاد يوازي الكبائر.

    ولكنْ بالعودة إلى بطون التاريخ الإسلامي وما قبله، وتفكيك النصوص بعيداً عن السطو الأيديولوجي لحركات الإسلام السياسي، تكشف لنا حقيقة صادمة؛ وتتمثل في أن الحجاب لم يبدأ كتشريع ديني، بل كـ “زي طبقي” فرضه العرف قديماً، وأقره الإسلام لعلة اجتماعية انتهت بانتهاء عصر العبودية، قبل أن تعيد السياسة الحديثة تدويره ليصبح “هوية”.

    ولم يكن الحجاب زياً إسلامياً خالصاً، بل ممارسة متجذرة في تشريعات الإمبراطوريات القديمة كأداة للفرز الطبقي. ففي القوانين الآشورية (حوالي 1200 ق.م) ينص “اللوح أ” صراحة على معاقبة الإماء وبائعات الهوى إذا ارتدين الحجاب، حيث كان الحجاب حكراً على النساء الحرائر من طبقة النبلاء لتمييزهن عن الطبقات الدنيا.

    وفي الإمبراطوريات الفارسية والرومانية، كان احتجاب المرأة وتغطية رأسها دليلاً على الثراء، فالمرأة التي تعمل في الحقول لا يمكنها إعاقة حركتها بالعباءات الطويلة وأغطية الرأس.

    وفي التراث اليهودي والمسيحي، فرضت التقاليد اليهودية غطاء الرأس، وأكد القديس بولس في رسائله إلى أهل كورنثوس على ضرورة تغطية المرأة لرأسها كعلامة على الخضوع.

    إذن، ورث العرب قبل الإسلام هذه الثقافة، فكانت الحرة تغطي رأسها كدليل على سيادتها، بينما تُترك الإماء حاسرات الرأس.

    وعندما جاء الإسلام، تعامل مع الواقع الاجتماعي القائم ومجتمع العبودية. وآية الحجاب الأبرز في سورة الأحزاب {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيمًا}. الأحزاب (59).

    ويذكر الطبري والقرطبي في تفسيريهما أن طرقات المدينة كانت مظلمة، وكان بعض الشباب الفاسد يتعرضون للإماء بالتحرش، وحين كانت المرأة الحرة تخرج ليلاً لقضاء الحاجة، قد يختلط الأمر عليهم فيتعرضون لها، فجاء الأمر الإلهي للحرائر بلبس الجلباب ليُعرفن أنهن حرائر فلا يؤذين.

    ولتأكيد أن الحجاب كان لتمييز الطبقات وليس ستراً لعورة بحد ذاتها، تذكر المصادر الصحيحة كسنن البيهقي ومصنف ابن أبي شيبة أن الخليفة عمر بن الخطاب كان يطوف في الأسواق، فإذا رأى أمة محجبة ضربها بالدرة ونزع الحجاب عنها قائلاً: فيمَ الإماءُ يتشبهن بالحرائر؟!

    فلو كان شعر المرأة عورة تثير الفتنة بذاتها، فهل يُعقل أن يأمر الإسلام بترك رؤوس وصدور الإماء مكشوفة في الأسواق وهن بمئات الآلاف؟

    الحقيقة أن التشريع كان يهدف للحماية الاجتماعية في مجتمع طبقي، وزال هذا السبب تماماً اليوم بإلغاء العبودية. وإذا كان الحجاب قديماً مسألة فقهية وطبقية تقبل الأخذ والرد، فكيف أصبح اليوم المعيار الأول والأوحد للحكم على دين المرأة؟

    الجواب يكمن في “التسييس”. فمع منتصف القرن العشرين جاءت الصحوة الإسلامية؛ وارتفعت شعبية حركات الإسلام السياسي كالإخوان المسلمين والسلفية المعاصرة وصولاً إلى الثورة الإيرانية 1979، وكانت هذه الحركات في صراع مفتوح مع الأنظمة العلمانية والتيارات اليسارية والتغريب، وكانت بحاجة ماسة إلى زي موحد أو راية بصرية تعلن عن وجودها وتمددها في الشارع.

    هنا لم يعد الحجاب مجرد حكم شرعي للاحتشام، بل تمت هندسته أيديولوجياً ليصبح “الركن السادس” للإسلام غير المعلن. فقد تم اختزال الهوية الإسلامية بأكملها في جسد المرأة، وأصبحت المرأة المحجبة هي الإسلام يمشي على قدمين، والسافرة هي اختراق غربي وتهديد للأمة، وتحول الحجاب من وسيلة لعدم لفت الانتباه، إلى أداة لإعلان الانتماء السياسي والحزبي والمجتمعي.

    ويمكنك اليوم أن ترى مجتمعات تتسامح مع الكذب، وأكل أموال الناس بالباطل، وترك الصلاة التي هي الركن الثاني، لكنها تقيم الدنيا ولا تقعدها إذا خلعت امرأة حجابها، وهذا يثبت أن القضية لم تعد ديناً وعبادة، بل هوية قبلية وسياسية يعاقب المجتمع من ينسلخ عنها بتهمة خيانة القبيلة.

    وأمام هذا الاستقطاب انقسم العلماء إلى تيارين، تيار الإلزام وهم فقهاء المؤسسات التقليدية والدين الموازي الذين أخذوا بعموم لفظ (وليضربن بخمرهن) بمعزل عن سياق العبودية، واعتمدوا على أحاديث آحاد كحديث أسماء بنت أبي بكر، وهو حديث ضعيف السند ومنقطع بشهادة الإمام أبي داود نفسه الذي رواه، ومن الكارثي بناء فريضة تعادل الصلاة على حديث ضعيف.

    بينما اعتمد تيار المقاصد والتاريخية وهم علماء ومفكرون مثل جمال البنا ونصر حامد أبو زيد ومحمد شحرور على القاعدة الفقهية الذهبية: الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً.

    وبما أن علة الحجاب في القرآن كانت التمييز بين الحرة والأمة، واليوم أُلغي الرق وأصبحت جميع النساء حرائر بالقانون الحديث، فلا توجد إماء ليتم التمييز بينهن، وبما أن العلة زالت تماماً، يسقط الحكم بالضرورة.

    وبناءً على زوال العلة التاريخية والتوظيف السياسي الحديث للمسألة، فإن ربط استقامة المرأة بقطعة قماش هو تضخيم فقهي واختطاف للدين، وتصنيف المرأة غير المحجبة كعاصية هو مصادرة لجوهر الإيمان الذي يقوم على العدل والأخلاق ونقاء السريرة. في العصر الحديث، لا يعد كشف الشعر خروجاً عن العرف أو دعوة للفتنة، بل هو المظهر الطبيعي للمرأة.

    وبالتالي فإن المرأة التي تلتزم بالاحتشام العام والأخلاق الكريمة ولا ترتدي غطاء الرأس، هي امرأة تمارس حريتها في إطار العرف الإنساني الحديث ولا تخالف قطعيّات العقيدة، ولا مبررَ دينياً لاعتبارها آثمة أو ناقصة إيمان.

    ومن أفظع الجنايات التي ارتكبها الخطاب الديني المسيس هو استخدام مصطلح “التبرج” كشتيمة لوصم غير المحجبة بالانحلال. ففي اللغة، التبرج من البرج، ويعني الاستعراض والتكلف لغرض لفت الأنظار، كأن تجعل المرأة من نفسها برجاً من المباهاة.

    «وفي القرآن الكريم، ورد الخطاب في الآية: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ} موجهاً في سياقه المباشر لنساء النبي. والمقصود به—وفقاً للدراسات اللغوية والتأويلية المعاصرة—نهيهن عن سلوكيات الاستعراض الفج، والمباهاة بالثروة، والخيلاء الطبقي التي كانت سائدة لدى نساء الطبقات المخملية في الجاهلية؛ فهو نقد لنمط استعلائي مجتمعي وليس مجرد كشف للشعر. ولم يُذكر التبرج في النص القرآني بمعنى خروج المرأة للعمل والمشاركة في الحياة العامة بشعر مكشوف. وبناءً عليه، فإن سحب هذا المصطلح وقذفه في وجه امرأة عصرية مكافحة ومستقيمة لمجرد أنها لا تغطي رأسها، يُعد إسقاطاً في غير محله وتدليساً على مقاصد النص؛ بهدف إرهاب النساء نفسياً وإخضاعهن لسلطة المجتمع.»

    خلاصة القول:

    إن الدين جاء لتحرير الإنسان لا لسجنه في قوالب شكلية، وتحويل الحجاب من ممارسة اجتماعية ارتبطت بعصر العبودية إلى هوية سياسية وركن سادس يُقاس به شرف النساء، هو نتاج فقه ذكوري وسياسي وليس مراداً إلهياً مقدساً، فالعفة تسكن في العقل والقلب، والله ينظر إلى القلوب والأعمال لا إلى رايات الأيديولوجيا المعلقة على رؤوس النساء.

    AboMatrix
    ×
    مرحباً! أنا AboMatrix.
    يمكنني تزويدك بآخر الأخبار من الموقع، أو الإجابة على استفساراتك حول اللجوء والهجرة في ألمانيا.
    AboMatrix يكتب...