Language / اللغة:
  • ar
  • de
  • en
  • لماذا يُعتبر التطرف اليميني اليوم أكبر تهديد للديمقراطية في ألمانيا؟

    ضد التطرف ديسمبر 11, 2025

    لماذا يُعتبر التطرف اليميني اليوم أكبر تهديد للديمقراطية في ألمانيا؟

    حين يُذكر مصطلح “التطرّف” في نقاشات الهجرة واللاجئين، يقفز إلى ذهن كثيرين فورًا “التطرف الإسلاموي”. هذا الانطباع تعزّزه تغطيات إعلامية سطحية أحيانًا، وصراعات سياسية تستخدم الخوف من “الآخر” لشدّ الناخبين. لكن إذا عدنا إلى الوثائق الرسمية في ألمانيا، سنجد صورة مختلفة: التطرّف اليميني هو اليوم الخطر الأكبر على الديمقراطية، وفقًا لتقييم أجهزة الأمن نفسها.

    ما الذي تقوله الأرقام الرسمية؟

    “تقرير حماية الدستور” الصادر عن هيئة حماية الدستور (BfV) يرصد سنويًا الأنشطة المتطرّفة في ألمانيا. في تقرير عام 2023، سجّل التقرير حوالي 25,660 جريمة ذات خلفية يمينية متطرفة، بينها أكثر من 1,100 جريمة عنيفة. كما ارتفع عدد الجرائم اليمينية المتطرفة ذات الدافع المعادي للأجانب بنسبة تقارب 39٪ مقارنة بالعام السابق، ووصل عدد الجرائم المعادية لليهود ذات الخلفية اليمينية إلى نحو 2,762 جريمة في عام واحد.

    تقارير لاحقة وحديثة تشير إلى أن المسار لم ينكسر؛ بل إن عدد الجرائم ذات الخلفية اليمينية المتطرفة واصل الارتفاع في 2024، مع الحديث عن زيادة تفوق 40٪ مقارنة بالعام السابق، لتصل الأرقام إلى عشرات الآلاف من الجرائم، بينها آلاف الأفعال ذات طابع عنيف أو تهديد مباشر.

    وزيرة الداخلية الألمانية نانسي فيزر أكدت في تقديمها لأحد تقارير حماية الدستور أن التطرّف اليميني هو “أكبر تهديد” للديمقراطية الألمانية حاليًا، مع الإشارة أيضًا إلى مخاطر التطرّف الإسلاموي، والعنف اليساري المتطرف، والهجمات السيبرانية، ولكن مع تصنيف واضح: التهديد الأول يأتي من اليمين المتطرف.

    هذه ليست أرقامًا مجرّدة؛ خلف كل رقم توجد حوادث حقيقية: اعتداءات على لاجئين، تهديدات للسياسيين المحليين، هجمات على مراكز سكنية، كتابة شعارات نازية على الجدران، وحملات كراهية منظّمة على الإنترنت.

    من الشارع إلى البرلمان: لماذا يهمّنا صعود اليمين المتطرف؟

    خطر التطرّف اليميني اليوم لا يقتصر على “مجموعات هامشية عنيفة” في الشارع. تقارير الاستخبارات الداخلية تشير إلى أن جزءًا متزايدًا من كوادر حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) مصنّف اليوم ضمن بيئات متطرفة، وأن عدد الأشخاص المصنَّفين كمتطرفين داخل هذا الحزب ارتفع بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة.

    هذا يعني أن خطابًا عنصريًا ومعاديًا للأجانب، كان في السابق حبيس المنتديات الهامشية، أصبح يُقال على المنابر الانتخابية، ويُبثّ في حملات رسمية، ويُلبس ثوب “النقاش الديمقراطي”. في ذات الوقت، تسجّل الأجهزة الأمنية زيادة كبيرة في الجرائم ذات الدافع العنصري والمعادي للمهاجرين، ما يربط بين الجوّ السياسي العام وبين شعور أشخاص أو مجموعات بأن لديهم “تفويضًا” لمهاجمة من يختلف عنهم.

    من المهم هنا أن نكون واضحين:

    • نعم، يوجد تطرّف إسلاموي في ألمانيا، وخلايا أو أفراد يمكن أن يشكّلوا تهديدًا أمنيًا حقيقيًا، كما تُظهر التحذيرات الأخيرة خلال بطولة يورو 2024.
    • نعم، توجد ظواهر عنف يساري متطرف وهجمات على الشرطة أو خصوم سياسيين.

    لكن حين تسأل الدولة نفسها: “ما هو الخطر الأكبر على نظامنا الديمقراطي؟” تأتي الإجابة في تقاريرها الرسمية: اليمين المتطرف، بخطابه العنصري وبنيته المنظمة وقدرته على اختراق المجال السياسي والإعلامي.

    كيف نقرأ هذه الصورة كمقيمين ومواطنين؟

    هذه الأرقام ليست مجرّد مادة للنقاش بين السياسيين؛ هي رسالة مباشرة لكل من يعيش في ألمانيا، سواء كان “مضيفًا” أو “ضيفًا”:

    1. الأمن ليس قضية ضدّ المهاجرين، بل معهم.
      حين ترتفع جرائم الكراهية، يكون اللاجئون والمهاجرون وأبناء الأقليات في الصفوف الأولى من الضحايا. لكن بعدهم تأتي الديمقراطية نفسها كضحية ثانية: قضاة، صحفيون، سياسيون محليون، وناشطون، يتعرّضون للتهديد والضغط، ما يضعف الثقة بالمؤسسات.
    2. التطرّف اليميني لا ينشأ من الفراغ.
      يتغذى على خطاب سياسي شعبوي، وعلى أزمات اجتماعية واقتصادية حقيقية، وعلى روايات تآمرية تنتشر عبر المنصات الرقمية.
      مواجهة هذا التطرّف لا تكون فقط بالقانون والشرطة، بل أيضًا بإعلام مسؤول يكشف الكراهية ولا يضخّمها، ويدافع عن الضحايا بدل أن يحمّلهم مسؤولية ما يتعرّضون له.
    3. لا يمكن اختزال التطرف في دين واحد أو خلفية واحدة.
      ما تقوله تقارير الاستخبارات الألمانية واضح: يوجد خطر من تطرّف إسلاموي، نعم، لكن يوجد أيضًا – وبشكل أكبر – خطر من شبكات يمينية متطرفة منظّمة، بعضها يحاول اختراق الأجهزة أو الجيش أو الشرطة أو كرة القدم، ويستخدم قنوات “إعلام بديل” لترويج الكراهية.

    ماذا يعني هذا لقسم “ضد التطرف” في منصتنا؟

    هذا القسم ليس مساحة للوعظ الأخلاقي، بل منصة مواجهة معرفية مع كل أشكال التطرف:

    • سنعرض فيه تحليلات مبنية على الأرقام الرسمية لا على الانطباعات.
    • سنكشف كيف يُصنع خطاب الكراهية، وكيف يتسلّل إلى اللغة اليومية، وحتى إلى النكات و”الميمز”.
    • سنعطي مساحة لأصوات الضحايا، ولأصوات من تركوا التطرّف (يمينًا أو إسلامويًا أو غيره) ويروون كيف تمّ تجنيدهم وكيف خرجوا منه.
    • سنربط بين التطرّف وموضوعات أخرى على الموقع: الاندماج، الهوية، الإعلام الذكي، والعنصرية.

    بهذه الطريقة، لا يكون “ضد التطرف” مجرد عنوان جميل، بل أداة مناعة مجتمعية:
    مَن يقرأ هنا ينبغي أن يخرج بفهم أعمق للحقيقة، لا بخوف أكبر من “الآخر”.